أزمة إنسانية مع تصاعد الأعمال العدائية
تواجه البنية التحتية الصحية في جنوب لبنان أوقاتًا عصيبة جراء تصعيد الهجمات الإسرائيلية التي تهدف إلى تدمير نظام الرعاية الصحية. هذه الهجمات، التي بدأت بالتسارع منذ بداية مارس 2026، أسفرت عن مقتل 53 من العاملين في القطاع الصحي، وتدمير 87 سيارة إسعاف ومركز طبي، وإغلاق خمسة مستشفيات، وفقًا لما ذكرته وزارة الصحة اللبنانية.
تقول لونا حماد، المنسقة الطبية في لبنان لمنظمة أطباء بلا حدود، إن “الهجمات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء الشاملة تقطع الناس عن الرعاية وتقلص الفضاء المتاح لوظيفة الخدمات الصحية”. وهي تشير إلى نمط موثق من الهجمات التي تؤثر على الرعاية الصحية، ما يبرز حجم الكارثة الإنسانية.
تأثير التدمير على النازحين
بدأ التصعيد في 2 مارس عندما رد حزب الله على الهجمات الإسرائيلية، وهو ما اعتبره البعض ردًا على اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الإيراني علي خامنئي قبل يومين. على الرغم من وجود اتفاق لوقف إطلاق النار منذ 27 نوفمبر 2024، إلا أن الانتهاكات الإسرائيلية كانت تتراقب وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.
استخدمت إسرائيل هجوم حزب الله كذريعة لتوسيع ضرباتها في لبنان وإصدار أوامر إخلاء جماعية في جنوب البلاد، حيث كان لحزب الله وجود قوي. ونتيجة لذلك، تم تشريد 1.2 مليون شخص من منازلهم مع بدء القوات الإسرائيلية عملية غزو للجنوب، وأعلنت نيتها احتلال المنطقة وإنشاء منطقة أمنية وتدمير المزيد من القرى عبر الحدود.
إن تدمير البنية التحتية الصحية في لبنان قد زاد من موجات النزوح، حيث أفاد العديد من المهنيين في الرعاية الصحية بأن هؤلاء الفارين في حاجة ماسة إلى خدمات طبية. يقول طبيب يُعالج النازحين في بيروت، متحدثًا بشرط عدم ذكر اسمه: “لا يمكنك العيش في مكان يفتقر إلى الرعاية الطبية الأساسية، وهذا يضيف ضغطًا إضافيًا على المنشآت الصحية في المنطقة”.
“إن الوضع الصحي في لبنان كان يعاني من ضعف شديد حتى قبل اندلاع الحرب، نظرًا للأزمات المتراكمة”، يؤكد د. حسن وزني، المدير العام لمستشفى نبيل بري الحكومي.
في السياق ذاته، زادت حالات دخول الطوارئ بشكل كبير حسب التقارير الواردة من مستشفيات الجنوب، مما يشير إلى تدهور الحالة الإنسانية. ويعاني المرضى من أزمات صحية بسبب نقص الخدمات الأساسية والعلاج المناسب.
الهجمات المتعمدة على العاملين في القطاع الصحي
إحدى القضايا الأكثر إثارة للقلق هي الهجمات المتعمدة على العاملين في القطاع الصحي. في 28 مارس، تم تسجيل مقتل تسعة مسعفين وإصابة سبعة آخرين في خمس هجمات منفصلة. وتؤكد رامزي قيس، باحثة في منظمة هيومن رايتس ووتش، أن “الهجمات المتكررة على العاملين الصحيين في لبنان تعتبر جريمة حرب”. هذا الوضع يثير قلقًا عميقًا حول سلامة العاملين في القطاع الصحي، الذين يُفترض أن يكونوا محميين بموجب القانون الإنساني الدولي.
لقد تم توثيق هذه الهجمات من قبل منظمة هيومن رايتس ووتش، حيث لقي أكثر من 270 من العاملين الطبيين والمساعدين حتفهم نتيجة للهجمات الإسرائيلية في لبنان. كل هذه الظروف تشير إلى ضرورة وجود مساءلة دولية عن هذه الأفعال.
يرى الخبراء أن الهجمات على البنية التحتية الصحية ليست جديدة، بل هي جزء من نمط متواصل من استهداف المنشآت الصحية في حالات الصراع. يقول عمر دوّاشي، مؤلف كتاب “الحياة غير القابلة للحكم: الطب الإجباري والسلطة في العراق”: “لقد أصبحت المستشفيات في النزاعات الأخيرة مستهدفة بشكل منهجي، مما يخلق شعورًا بأن استهدافها أصبح شيئًا طبيعيًا”.
تستمر الدعوات للحماية الدولية للرعاية الصحية في لبنان، حيث يقول د. أبوبكر ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان: “يجب أن تُحمي الرعاية الصحية بموجب القانون الدولي، ويجب أن تسعى السلطات اللبنانية إلى تعزيز المساءلة”.
في ظل استمرار هذه الهجمات، يبقى الأمل في العودة إلى حالة من الاستقرار وحماية النظام الصحي في لبنان ضئيلاً. إذا استمرت هذه العمليات، فإن العواقب ستستمر في التأثير سلبًا على صحة المجتمع اللبناني لعقود قادمة.

















