تدمير الرعاية الصحية في لبنان: واقع مأساوي
تعيش جنوب لبنان حالة من الانهيار الفظيع للبنية التحتية للرعاية الصحية، نتيجة الهجمات الإسرائيلية المتزايدة التي تستهدف المستشفيات والكوادر الطبية. بعد شهر من تصعيد الاعتداءات، أفادت وزارة الصحة العامة اللبنانية بأن 53 من العاملين في المجال الطبي لقوا مصرعهم، وتم تدمير 87 سيارة إسعاف ومركز طبي، وقد أُغلقت خمس مستشفيات.
تقول لونا حمد، المنسقة الطبية في لبنان لمنظمة أطباء بلا حدود، لـ”الجزيرة”، إن “الهجمات الإسرائيلية أوامر الإخلاء العامة تقطع الناس عن الرعاية وتضغط على الخدمات الصحية”. وأكدت أن هناك نمطًا موثقًا من الاعتداءات التي تؤثر على الرعاية الصحية.
دوافع الاستهداف: الحرب والنزوح
في 2 مارس، تصاعدت الهجمات الإسرائيلية بشكل حاد بعد أن ردت حزب الله على الاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما اعتبره الحزب ردًا على اغتيال القائد الإيراني علي خامنئي بأيدٍ أمريكية وإسرائيلية. ورغم وجود وقف لإطلاق النار منذ نوفمبر 2024، إلا أن انتهاكات إسرائيلية تكرر وقعت، مما أسفر عن مئات القتلى من اللبنانيين. استخدمت إسرائيل الهجوم الذي شنه حزب الله كذريعة لتوسيع نطاق ضرباتها في جميع أنحاء لبنان، مما أدى إلى إصدار أوامر إخلاء جماعي في المناطق الجنوبية وبلدات الضواحي الجنوبية لبيروت.
“لا يمكن العيش في مكان يفتقر إلى الرعاية الطبية الأساسية، وأصبح الوضع الآن يضع ضغطًا أكبر على المرافق الصحية حيث يوجد أكثر من مليون شخص جديد يتطلعون للاستفادة من النظام الصحي”.
تملك لبنان تاريخًا طويلًا من الأزمات السياسية والاقتصادية، وقد تفاقمت الأزمة الحالية منذ بدء الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة. يواجه النظام الصحي اللبناني أزمة حادة بفعل تأزم الوضع وزيادة عدد النازحين إلى 1.2 مليون شخص، مما يعني أن المؤسسات الصحية ستعاني من ضغط متزايد.
تحدث د. حسن وزني، المدير العام لمستشفى نبيل برّي الحكومي في النبطية، عن صعوبة نقل المرضى بين المستشفيات، حيث يتم إرسال العديد من مرضى العلاج الكيميائي والغسيل الكلوي إلى شمال لبنان، في حين أن الاعتداءات على المرافق الصحية تتزايد.
هجمات ممنهجة على الكوادر الطبية
تتواصل الاعتداءات على الكوادر الطبية والمرافق الصحية بشكل مقلق. فقد تم توثيق العديد من الهجمات التي تستهدف سيارات الإسعاف والمستشفيات، بما في ذلك ما يسمى بـ”هجمات الضربة الثانية”، حيث يُستهدف الطاقم الطبي بعد الهجوم الأول. في يوم 28 مارس فقط، قُتل 9 من المسعفين وأصيب 7 آخرون في خمس هجمات منفصلة، كما تشير التقارير إلى أن أكثر من 107 من العاملين في المجال الطبي قتلوا في لبنان خلال اعتداءات إسرائيل منذ أواخر 2023.
“الهجمات المتكررة، والتي تبدو مدبرة، على الكوادر الطبية في لبنان تُشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان، وقد وثقتها منظمة هيومن رايتس ووتش كجرائم حرب”.
على الرغم من أن القوانين الإنسانية الدولية تحمي الكوادر الطبية، إلا أن هذه الحماية لم تنجح في منع الهجمات. يقول رامزي قيس، الباحث في هيومن رايتس ووتش، إن “هناك غياباً كاملاً للمسائلة”، ويتطلب الأمر من الحكومة اللبنانية أن تضمن العدالة وتسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم الحربية.
في الوقت الراهن، يواصل العاملون في المجال الصحي دعواتهم للمساعدة الدولية لحماية وتعزيز نظام الرعاية الصحية في لبنان. يؤكد د. أبوبكر، ممثل منظمة الصحة العالمية، على ضرورة احترام القانون الدولي، ودعوة لوقف التصعيد والاحتكام إلى الهدنة بأسرع وقت ممكن.
يُظهر الوضع الحالي في لبنان كيف أن تدمير البنية التحتية للرعاية الصحية يؤثر على حياة الملايين. إن استمرار هذه الهجمات يعني أن الآثار السلبية ستستمر لعقود، حيث يعاني الناجون من إصابات مزمنة تتطلب علاجًا طويلاً، مما يفاقم من معاناة الناس في هذه المنطقة المدمرّة.

















